أحكام الأضحية وفضائلها

 الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد..

فإن من شعائر الإسلام العظيمة التي أمر الله بها، وحثَّ عليها النبي صلى الله عليه وسلم الأضحية، وهي ما يذبح في يوم النحر، وأيام التشريق من الإبل، والبقر، والغنم تقربًا إلى الله تعالى، وسميت بذلك لأنها تذبح ضحًى بعد صلاة العيد.


وشرعت الأضحية إحياءً لسنة خليل الله إبراهيم عليه الصلاة والسلام، إذ أوحى الله إليه أن يذبح ولده إسماعيل ثم فداه بكبش فذبحه بدلًا عنه، قال تعالى: ﴿ وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيم ﴾ [الصافات:107]. وشكرًا لله على ما سخر لنا من بهيمة الأنعام، قال تعالى: ﴿ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون * لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ ﴾ [الحج: 36-37]. وأجمع المسلمون على مشروعيتها لقول الله تعالى: ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ ﴾ [الحج: 34]. فهي مشروعة في جميع الملل.


واختلف أهل العلم هل هي سنة أم واجبة؟

فذهب أهل القول الأول: إلى أنها سنة، واستدلوا على ذلك بما رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلـم قال: "إِذَا دَخَلَتِ الْعَشْرُ، وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ، فَلَا يَمَسَّ مِنْ شَعَرِهِ وَبَشَرِهِ شَيْئًا"[1]. وذلك لأنه قال: وأراد أحدكم أن يضحي، فجعله مفوضًا إلى إرادته، ولو كانت التضحية واجبة لم يذكر ذلك.


ومما استدلوا به أيضًا: أن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما كانا لا يضحيان السنة والسنتين، مخافة أن يُرى ذلك واجبًا[2].


والقول الثاني: أن الأضحية واجبة وهو مذهب أبي حنيفة، ورواية عن الإمام أحمد رحمهما الله، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، حيث قال: إن الظاهر وجوبها، وإن من قدر عليها فلم يفعل فهو آثم، لأن اللهﭺ ذكرها مقرونة بالصلاة في قوله تعالى: ﴿ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَر ﴾ [الكوثر:2]، وفي قوله: ﴿ قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِين ﴾ [الأنعام:162].


واستدلوا بأن النبي صلى الله عليه وسلـم داوم عليها وضحى عشر سنوات، وكان يظهرها على أنها شعيرة من شعائر الإسلام، حتى إنه يخرج بأضحيته ويذبحها بالمصلَّى.


قال الشيخ ابن عثيمين:

"والقول بالوجوب أظهر من القول بعدم الوجوب لكن بشرط القدرة، وأما العاجز الذي ليس عنده إلا مؤنة أهله، أو المدين فإنه لا تلزمه الأضحية، بل إن كان عليه دين ينبغي له أن يبدأ بالدين قبل الأضحية"[3]. وينبغي للمؤمن أن يحرص عليها، ويبادر إلى ذلك خروجًا من خلاف العلماء.


والأضحية لها شروط، فمن ذلك:

1- أن تكون من بهيمة الأنعام وهي الإبل، والبقر، والغنم، لقول الله تعالى: ﴿ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ ﴾ [الحج: 28]. وأفضلها الإبل، ثم البقر، ثم الغنم، ويشمل الضأن والمعز، فإن أخرج بعيرًا كاملًا فهو أفضل من الشاة، وأما لو أخرج بعيرًا عن سبع شياه فالسبع الشياه أفضل من البعير.


2- بلوغ السن المعتبرة شرعًا، لقول النبي صلى الله عليه وسلـم فيما رواه مسلم في صحيحه من حديث جابر:"لَا تَذْبَحُوا إِلَّا مُسِنَّةً[4]، إِلَّا أَنْ يَعْسُرَ عَلَيْكُمْ، فَتَذْبَحُوا جَذَعَةً مِنَ الضَّأْنِ"[5].


فالإبل خمس سنين، والبقر سنتان، والمعز سنة، والضأن ستة أشهر[6]. قال ابن القيم رحمه الله: "وأمرهم أن يذبحوا الجذع من الضأن، والثني مما سواه وهي المسنة"[7].


3- السلامة من العيوب المانعة من الإجزاء، فلا يجزي في الأضحية سوى السليمة من كل نقص في خلقتها، فلا تجزي العوراء، ولا العرجاء، ولا العضباء، وهي مكسورة القرن من أصلها، أو مقطوعة الأذن من أصلها، ولا المريضة ولا العجفاء (وهي الهزيلة التي لا مخ فيها)، لقوله صلى الله عليه وسلـم: "أَرْبَعٌ لَا تَجُوزُ فِي الأَضَاحِيِّ: الْعَوْرَاءُ بَيِّنٌ عَوَرُهَا، وَالْمَرِيضَةُ بَيِّنٌ مَرَضُهَا، وَالْعَرْجَاءُ بَيِّنٌ ظَلْعُهَا، وَالْكَسِيرُ الَّتِي لَا تَنْقَى"[8]. أي: لا مخ في عظامها، وهي الهزيلة العجفاء.


4- أن تكون في وقت الذبح، وهو من صباح العيد بعد الصلاة إلى آخر أيام التشريق، فلا تجزئ قبل صلاة العيد، لقوله صلى الله عليه وسلـم فيما رواه البخاري ومسلم من حديث أنس بن مالك: "مَنْ ضَحَّى قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَإِنَّمَا ذَبَحَ لِنَفْسِهِ، وَمَنْ ذَبَحَ بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَقَدْ تَمَّ نُسُكُهُ، وَأَصَابَ سُنَّةَ الْمُسْلِمِينَ"[9].


وروى مسلم في صحيحه من حديث البراء بن عازب قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلـم يوم النحر، فقال: "لَا يَذْبَحَنَّ أَحَدٌ حَتَّى يُصَلِّيَ"[10] [11].


الأحكام التي تتعلق بالأضحية:

أولًا: من دخلت عليه عشر ذي الحجة وأراد أن يضحي، فلا يأخذ من شعره وأظفاره حتى يضحي في وقت الأضحية، لما روى مسلم في صحيحه عن أم سلمة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلـم قال: "إِذَا رَأَيْتُمْ هِلَالَ ذِي الْحِجَّةِ، وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ، فَلْيُمْسِكْ عَنْ شَعْرِهِ وَأَظْفَارِهِ"[12]. وقيل: الحكمة في النهي أن يبقى كامل الأجزاء ليعتق من النار، وقيل: التشبه بالمحرم.


ثانيًا: أفضلها ما كانت كبشًا أملح أقرن، وهو الوصف الذي استحبه الرسول صلى الله عليه وسلـم وضحى به، كما أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أنس رضي الله عنه: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلـم ضَحَّى بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ[13]. وفسر الأملح بأنه الأبيض الذي يخالطه سواد، كما جاء عند مسلم في صحيحه من حديث عائشة رضي الله عنها: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلـم أَمَرَ بِكَبْشٍ أَقْرَنَ يَطَأُ فِي سَوَادٍ، وَيَبْرُكُ فِي سَوَادٍ، وَيَنْظُرُ فِي سَوَادٍ[14]. قال القاضي عياض: "معناه أن قوائمه، وبطنه، وما حول عينيه أسود.. والله أعلم"[15].


ثالثًا: تجزي الشاة عن واحد، أي: يضحي الإنسان بالشاة عن نفسه، وتجزي من حيث الثواب عنه، وعن أهل بيته، لِأَنَّ الرَّسُولَ صلى الله عليه وسلـم كَانَ يُضَحِّي بِالشَّاةِ الوَاحِدَةِ عَن جَمِيعِ أَهلِهِ[16]. ولحديث أبي أيوب الأنصاري: كَانَ الرَّجُلُ فِي عَهدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلـم يُضَحِّي وَعَن أَهلِ بَيتِهِ، فَيَأكُلُونَ، وَيُطعِمُونَ[17]. والبدنة، والبقرة عن سبعة، والدليل حديث جابر بن عبد الله قال: نَحَرنَا فِي عَامِ الحُدَيبِيَةِ البَدَنَةَ عَن سَبعَةٍ، وَالبَقَرَةَ عَن سَبعَةٍ[18].


رابعًا: ما يستحب عند ذبحها: أن توجه إلى القبلة مع التسمية، لما رواه أحمد في مسنده من حديث جابر بن عبد الله: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلـم ذَبَحَ يَومَ العِيدِ كَبشَينِ، ثُمَّ قَالَ حِينَ وَجَّهَهُمَا: "إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا مُسْلِمًَا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا شَرِيكَ لَهُ، وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا مِنَ أَوَّل الْمُسْلِمِينَ، بِاسْمِ اللَّهِ وَاللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُمَّ مِنْكَ وَلَكَ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ وَأُمَّتِهِ"[19]. وفي صحيح مسلم أنه قال: "بِاسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ، وَمِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ"[20].


فقوله حين وجهها، يعني: إلى القبلة، وهذا يدل على أن التوجيه سنة، وورد في فتوى اللجنة الدائمة: "ويستحب أن يتوجه الذابح إلى القبلة، ويوجه الذبيحة كذلك إلى القبلة لأنها أشرف الجهات، ولأن الاستقبال مستحب في القربات، إلا ما دَلَّ الدليل على خلافه، ويتأكد الاستحباب إذا كانت الذبيحة هديًا، أو أضحية"[21].


قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله:

"وأما ما يفعله بعض العامة عندنا يسميها في ليلة العيد، ويمسح ظهرها من ناحيتها إلى ذنبها، وربما يكرر ذلك، هذا عني، هذا عن أهل بيتي، هذا عن أمي.. وما أشبه ذلك، فهذا من البدع، لأن ذلك لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلـم، وإنما كان يسمي من هي له عند الذبح"[22].


خامسًا: صفة الذبح. روى البخاري ومسلم من حديث أنس: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلـم ضَحَّى بِكَبْشَيْنِ، أَمْلَحَيْنِ، أَقْرَنَيْنِ، فَرَأَيْتُهُ وَاضِعًا قَدَمَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا، قَالَ: وَسَمَّىَ وَكَبَّرَ[23].


قال ابن حجر:

"وفيه استحباب التكبير مع التسمية، واستحباب وضع الرجل على صفحة عنق الأضحية الأيمن، واتفقوا على أن إضجاعها يكون على الجانب الأيسر فيضع رجله على الجانب الأيمن ليكون أسهل على الذابح في أخذ السكين باليمين، وإمساك رأسها بيده اليسار"[24].


أما الإبل فتنحر قائمة معقولة يدها اليسرى، هذه هي السنة لأن النبي صلى الله عليه وسلـم كان يفعل ذلك ويدل لهذا قوله تعالى:﴿ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: 36]. وجبت يعني سقطت على الأرض، وتكون اليسرى هي المعقولة لأن الذابح سوف يأتيها من الجهة اليمنى وسيمسك الحربة بيده اليمنى، وإذا نحرها فسوف تسقط على الجانب الأيسر الذي به اليد المعقولة[25].


أما البقر فقد جاء في القرآن ذكر ذبحها، وفي السنة نحرها[26]. قال القرطبي: "والذبح أولى في الغنم، والنحر أولى في الإبل، والتنحير في البقر، وقيل: الذبح أولى، لأنه الذي ذكره الله تعالى"[27].


والذبح يكون بقطع الأوداج[28]، والأوداج جمع ودج بفتح الدال المهملة والجيم وهو العِرق الذي في الأخدع وهما عرقان متقابلان[29] [30].


وفي الحديث المخرج في الصحيحين من حديث رافع ابن خديج: أن النبي صلى الله عليه وسلـم قال: "مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّه فَكُلْ، لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفُرَ"[31] الحديث.


قال النووي رحمه الله:

"قال العلماء: ففي هذا الحديث تصريح بأنه يشترط في الذكاة ما يقطع ويجري الدم، وقال ابن المنذر: أجمع العلماء على أنه إذا قطع الحلقوم والمريء، والودجين، وأسال الدم حصلت الذكاة، وقوله: (مَا أَنْهَرَ الدَّمَ) قال بعض العلماء: دليل على جواز ذبح المنحور، ونحر المذبوح، وقد جوزه العلماء كافة إلا داود"[32].


ويجوز الذبح بغير السكين إن لم تتيسر، إما بحجر ونحوه. روى البخاري في صحيحه من حديث مُعَاذِ بْنِ سَعْدٍ أَوْ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، أَخْبَرَهُ: أَنَّ جَارِيَةً لِكَعْبِ بْنِ مَالِكٍ كَانَتْ تَرْعَى غَنَمًا بِسَلْعٍ، فَأُصِيبَتْ شَاةٌ مِنْهَا، فَأَدْرَكَتْهَا فَذَبَحَتْهَا بِحَجَرٍ، فَسُئِلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلـم؟ فَقَالَ: "كُلُوهَا"[33].


وفي حديث: "مَا أَنْهَرَ الدَّمَ فَكُلْ" "دليل على جواز الذبح بكل محدد يقطع إلا الظفر، والسن، وسائر العظام فيدخل في ذلك السيف، والسكين، والسنان والحجر، والخشب، والزجاج، والقصب، والخزف، والنحاس، وسائر الأشياء المحددة فكلها تحصل بها الذكاة إلا السن، والظفر، والعظام كلها"[34].


سادسًا: الإحسان حتى في الذبح: قال ابن القيم رحمه الله: "وأمر الناس إذا ذبحوا أن يحسنوا الذبح"[35]. روى مسلم في صحيحه من حديث شداد بن أوس رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلـم قال: "إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ"[36].


سابعًا: وقد دلت الدلائل الشرعية من الكتاب والسنة على أنه ينبغي أن يأكل من أضحيته، ويتصدق، قال تعالى: ﴿ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِير ﴾ [الحج:28]. فإن أهدى منها لجيرانه، وأقاربه، فهو أفضل، قال تعالى: ﴿ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ ﴾ [الحج: 36]. روى مسلم في صحيحه من حديث جابر رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلـم قال: "كُلُوا، وَادَّخِرُوا، وَتَصَدَّقُوا"[37]. وفي رواية: "كُلُوا، وَأَطْعِمُوا، وَاحْبِسُوا، أَوِ ادَّخِرُوا"[38].


ثامنًا: لا يُعطى الجزار أجرة عمله من الأضحية، فقد روى البخاري ومسلم من حديث علي رضي الله عنه قال: أَمَرَنِي النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلـم أَنْ أَقُومَ عَلَى الْبُدْنِ، وَلَا أُعْطِيَ عَلَيْهَا شَيْئًا فِي جِزَارَتِهَا[39]. وفي رواية مسلم:"نَحْنُ نُعْطِيهِ مِنْ عَنْدِنَا"[40].


قال العلماء: "إعطاء الجزار على سبيل الأجرة ممنوع لكونه معاوضة، قال البغوي رحمه الله: وأما إذا أُعطي أجرته كاملة، ثم تصدق عليه إذا كان فقيرًا كما يتصدق على الفقراء، فلا بأس بذلك"[41].


تاسعًا: يستحب أن يذبح أضحيته بنفسه. قال ابن قدامة: "وإن ذبحها بيده كان أفضل لأن النبي صلى الله عليه وسلـم ضحى بكبشين أقرنين أملحين ذبحهما بيده وسمَّى وكبَّر، ولأن في فعله قربة وفعل القربة أولى من استنابته فيها، فإن استناب فيها جاز، لأن النبي صلى الله عليه وسلـم استناب من نحر ما بقي من بدنه بعد ثلاث وستين"[42].


تنبيه: هل الأضحية مشروعة عن الأموات أم عن الأحياء؟

"لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلـم ولا عن الصحابة أنهم ضحَّوا عن الأموات استقلالًا، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلـم مات له أولاد من بنين وبنات في حياته، ومات له زوجات وأقارب يحبهم، ولم يضحِّ عن واحد منهم، فلم يضحِّ عن عمه حمزة ولا عن زوجته خديجة ولا عن غيرهم من الأبناء والبنات، ولو كان هذا من الأمور المشروعة لبيَّنه الرسول صلى الله عليه وسلـم في سنته قولًا أو فعلًا، وإنما يضحي الإنسان عنه وعن أهل بيته، وأما إدخال الميت تبعًا، فهذا قد يستدل له بأن النبي صلى الله عليه وسلـم ضحَّى عنه وعن أهل بيته، وأهل بيته يشمل زوجاته اللاتي متن واللاتي على قيد الحياة، وكذلك ضحَّى عن أمته وفيهم من هو ميت، وفيهم من لم يوجد[43]، لكن الأضحية عنهم استقلالًا ليس عليها دليل"[44]. فإن أوصى بشيء من ماله يُضحى عنه به فلا حرج.


والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين



[1] برقم (1977).

[2] الفقه الميسر (4120)، لمجموعة من المشايخ.

[3] الشرح الممتع (7422 - 423).

[4] أي: ثنية.

[5] برقم (1963).

[6] ذهب بعض أهل العلم في تعريف الجذع إلى أنه ما بلغ من السن ستة أشهر فما فوق، وذهب آخرون إلى أنه العظيم السمين من غير تحديد سنٍّ معيَّنَةٍ.

[7] زاد المعاد (2317).

[8] سنن أبي داود برقم (2802)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (2539) برقم 2431.

[9] صحيح البخاري برقم (5546)، وصحيح مسلم برقم (1962).

[10] برقم (1961).

[11] الشرح الممتع، للشيخ ابن عثيمين (7424 - 427).

[12] برقم 1977.

[13] صحيح البخاري برقم (5558)، وصحيح مسلم برقم (1966).

[14] برقم (1967).

[15] إكمال المعلم بفوائد مسلم، للقاضي عياض (6418).

[16] صحيح البخاري برقم 7210.

[17] سنن الترمذي برقم (1509)، وقال: هذا حديث حسن صحيح.

[18] رواه مسلم برقم (1318).

[19] (23267) برقم (15022)، وقال محققوه: إسناده محتمل للتحسين. وحسنه الشيخ الألباني في إرواء الغليل (4350).

[20] برقم (1967).

[21] فتاوى اللجنة الدائمة (167) برقم (20786).

[22] الشرح الممتع، للشيخ ابن عثيمين (7454 - 455).

[23] برقم (5564)، وصحيح مسلم برقم (1966).

[24] فتح الباري (1018).

[25] الشرح الممتع (7440 - 441).

[26] انظر: فتح الباري، لابن حجر (9640 - 641).

[27] المفهم للقرطبي (5370).

[28] صحيح البخاري، كتاب الذبائح والصيد، باب (24).

[29] فتح الباري، لابن حجر (9640).

[30] الودج محركة: عرق في العنق، القاموس المحيط (ص267).

[31] صحيح البخاري (2488)، وصحيح مسلم برقم (1968).

[32] شرح صحيح مسلم، للنووي (13125 - 126).

[33] برقم (5505).

[34] شرح صحيح مسلم، للنووي (13126).

[35] زاد المعاد (2295).

[36] برقم 1955.

[37] برقم (1971).

[38] صحيح مسلم برقم (1973).

[39] برقم (1716)، وصحيح مسلم برقم (1317).

[40] برقم (1317).

[41] فتح الباري (3556).

[42] المغني (13390 - 391).

[43] مسند الإمام أحمد (23133 - 134) برقم 14837، وقال محققوه: صحيح لغيره.

[44] الشرح الممتع، للشيخ ابن عثيمين (7423) باختصار.

 

التعليقات


`

اتصل بنا

الفرع الرئيسي

السعودية - الرياض

info@daleelalmasjed.com

رؤيتنا : إمام مسجد فاعل ومؤثر

رسالتنا: نقدم برامج تربوية تعيد للمسجد دوره الحقيقي وتسهم في رفع أداء أئمة المساجد حول العالم وتطويرهم ليقوموا بدورهم الريادي في تعليم الناس ودعوتهم على منهج أهل السنة والجماعة وفق خطة منهجية وأساليب مبتكرة.