صحيفة بشر بن المعتمر في تعليم الخطابة

مرّ بِشرُ بنُ المعتمر بإبراهيم بن جبلة بن مخرمة السكوني الخطيب، وهو يعلِّم فتيانهم الخَطابة؛ فوقف بِشرٌ فظن إبراهيم أنه إنما وقف ليستفيد أو ليكون رجلًا من النَّظَّارة، فقال بشر: اضربوا عما قال صَفحًا واطووا عنه كشحًا [2]، ثم دفع إليهم صحيفة من تحبيره وتنميقه، وكان أول ذلك الكلام:
خذ من نفسك ساعة نشاطك وفراغِ بالك وإجابتِها إياك، فإن قليل تلك الساعة أكرم جوهرًا، وأشرف حسبًا، وأحسن في الأسماع، وأحلى في الصدور، وأسلم من فاحش الخطأ، وأجلب لكل عينٍ وغُرّةٍ [3]، من لفظ شريف ومعنى بديع، واعلم أن ذلك أجدى عليك مما يعطيك يومُك الأطولُ بالكَدّ والمطاولة والمجاهدة، وبالتكلف والمعاودة، ومهما أخطأك لم يخطئك [4] أن يكون مقبولًا قصدًا، وخفيفا على اللسان سهلًا، وكما خرج من ينبوعه ونجم من معدنه، وإياك والتوعّر [5] فإن التوعر يسلمك إلى التعقيد، والتعقيد هو الذي يستهلك معانيَك، ويُشين ألفاظك، ومن أراغ [6] معنى كريمًا؛ فليلتمس له لفظًا كريمًا، فإن حق المعنى الشريف اللفظ الشريف، ومن حقهما [7] أن تصونهما عما يفسدهما ويهجنهما [8]، وعما تعُودُ من أجله أن تكون أسوأ حالًا منك قبل أن تلتمس إظهارهما، وترتهن نفسك بملابستهما وقضاء حقهما.
فكن في ثلاث منازل؛ فإن أولى الثلاث أن يكون لفظك رشيقًا عذبًا، وفخمًا سهلًا، ويكون معناك ظاهرًا مكشوفًا، وقريبًا معروفًا، إما عند الخاصة إن كنتَ للخاصة قصدْتَ، وإما عند العامة إن كنتَ للعامة أردْت، والمعنى ليس يشرف أن يكون من معاني الخاصة، وكذلك ليس يتّضع بأن يكون من معاني العامة، وإنما مدار الشرف على الصواب وإحراز المنفعة مع موافقة الحال، وما يجب لكل مقام من المقال، وكذلك اللفظ العامّيُّ والخاصّيُّ، فإن أمكنك أن تَبْلغ من بيان لسانك، وبلاغة قلمك، ولطف مداخلك، واقتدارك على نفسك، إلى أن تُفهِم العامة معانيَ الخاصة، وتكسوها الألفاظ الواسطة التي لا تلطف عن الدهماء، ولا تجفُو عن الأكفاء فأنت البليغ التام.
فإن كانت المنزلةُ الأولى لا تواتيك ولا تعتريك ولا تسمح لك عند أول نظرك وفي أول تكلّف، وتجدُ اللفظةَ لم تقع موقعَها ولم تَصِر إلى قرارها وإلى حقها من أماكنها المقسومة لها، والقافية لم تحُلّ في مركزها وفي نصابها، ولم تصل بشكلها، وكانت قلِقة في مكانها، نافرة من موضعها، فلا تُكرهها على اغتصاب الأماكن، والنزول في غير أوطانها، فإنك إذا لم تتعاطَ قرض الشعر الموزون، ولم تتكلف اختيار الكلام المنثور، لم يِعِبْك بترك ذلك أحد.
فإن أنت تكلفتهما، ولم تكن حاذقًا مطبوعًا ولا مُحْكِما لشأنك، بصيرًا بما عليك وما لك، عابَك مَن أنت أقلُّ عيبًا منه، ورأى مَن هو دونك أنه فوقك، فإن ابتُلِيت بأن تتكلف القول، وتتعاطى الصنعة، ولم تسمح لك الطباع في أول وهلة، وتعاصى عليك بعد إجالة الفكرة فلا تعجل ولا تضجر، ودعه بياض يومك وسواد ليلتك، وعاوِده عند نشاطك وفراغ بالك، فإنك لا تعدم الإجابة والمواتاة، إن كانت هناك طبيعة، أو جريت من الصناعة على عِرْق [9].
 فإن تمنّع عليك بعد ذلك من غير حادثِ شُغْلٍ عَرَض، ومن غير طول إهمال فالمنزلة الثالثة أن تتحول من هذه الصناعة إلى أشهى الصناعات إليك، وأخفها عليك، فإنك لم تشتهه ولم تنازِع إليه إلا وبينكما نسب، والشيء لا يحنّ إلا إلى ما يشاكله، وإن كانت المشاكلة قد تكون في طبقات، لأن النفوس لا تجود بمكنونها مع الرغبة، ولا تسمح بمخزونها مع الرهبة، كما تجود مع الشهوة والمحبة فهذا هذا.
وقال: ينبغي للمتكلم أن يعرف أقدار المعاني، ويوازنَ بينها وبين المستمعين وبين أقدار الحالات، فيجعل لكل طبقة من ذلك كلاما، ولكل حالة من ذلك مقاما، حتى يَقْسِم أقدارَ الكلام على أقدار المعاني، ويَقْسِمَ أقدار المعاني على أقدار المقامات، وأقدار المستمعين على أقدار تلك الحالات.
...................................
[1] أورد هذه الصحيفة كلٌّ من ابن عبد ربه في العقد الفريد 4 /139 - 141، والجاحظ في البيان والتبيين 1/- 139، وعند الجاحظ زيادة لم يوردها ابن عبد ربه، وقد أثبت هنا رواية الجاحظ.
وبشر بن المعتمر الكوفيُّ، ثم البغداديُّ، كان شيخَ المعتزلة، وصاحبَ تصانيف، وكان أخبارياً شاعراً متكلماً، مات سنة عشر ومئتين. يُراجَع: سير أعلام النبلاء 10 /203.
[2] أي: اعرضوا عما قاله.
[3] العين والغُرّة من كل شيء أنفسه وأكرمه.
[4] أي مهما يغب عنك من المعاني والألفاظ فلن يفوتك أن يكون مقبولًا وخفيفا... الخ.
[5] توعَّر فلان: تشدد، وتوعر الأمرُ عليه تعسر، وتوعر في الكلام تحيّر. المعجم الوسيط 2 /1085 - 1086.
[6] أي: أراد وطلب. راجع المعجم الوسيط 1 /396.
[7] أي: اللفظ والمعنى.
[8] أي: يقبحهما.

[9] العِرْق: الشيء القليل. المعجم الوسيط 2 /617. 

التعليقات




  • Reply
`

اتصل بنا

الفرع الرئيسي

السعودية - الرياض

info@daleelalmasjed.com

رؤيتنا : إمام مسجد فاعل ومؤثر

رسالتنا: نقدم برامج تربوية تعيد للمسجد دوره الحقيقي وتسهم في رفع أداء أئمة المساجد حول العالم وتطويرهم ليقوموا بدورهم الريادي في تعليم الناس ودعوتهم على منهج أهل السنة والجماعة وفق خطة منهجية وأساليب مبتكرة.