رمضان بعد رمضان.. هل ثَمة تأثير أو تغيير أو إصلاح؟!

عز عبد البديع 

 

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:

لا شك أن شهر رمضان معلم مهم في تربية النفس وإصلاحها، وتغيير ما اعتادته من المخالفات، وهجر المعاصي والذنوب، والإقبال على الطاعات والقربات، طلبًا لرضا الله تبارك وتعالى.

  ولكن.. كم من مواسم الخير في رمضان مرت علينا، وحالنا كما هو دون تغيير، فلا توبة ولا إصلاح لعيوب النفوس!! بل ربما يؤجل كثير من المسلمين ما اعتادونه من المحرمات إلى ما بعد رمضان، هذا في الفضلاء منهم للأسف، أما غيرهم ممن لم يعظّم حرمة الشهر، فلا تجد فرقًا عندهم بين رمضان وغيره من الأيام!!

  ويعد الجهل بأهداف وحِكَم الصيام وغاياته في الشريعة لدى كثير من المسلمين، وقيامهم بالتطبيق تقليدًا ومسايرة للمجتمع من دون التأمل والدراسة من أبرز أسباب هذا التفريط وتضييع مواسم الخير والبر.

 

لماذا شُرع الصيام والقيام؟ 

  إن الله رب العالمين إنما شرع الصيام وفرضه لتحقيق التقوى والتدرب على الطاعات، فرمضان من مواسم الخيرات التي امتن الله -تعالى- بها على عباده، ليقوى إيمانهم، وتزداد فيه تقواهم، وتتعمق صلتهم بربهم، قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } [البقرة: 183].

ففي رمضان من العبادات والأعمال الصالحة ما يجعل النفوس تنقاد إلى رب العالمين، فتزكو النفوس، وتطهر القلوب، وتعيش الأرواح أجواء إيمانية مفعمة بالبركات والرحمات.. ومما قيل من روائع الكلام عن دور شهر رمضان في تربية النفس وإصلاحها وتغييرها نحو الأفضل، ما كتبه العلامة الإمام ابن القيم (رحمه الله) قال: «لَمّا كَانَ صَلَاحُ الْقَلْبِ وَاسْتِقَامَتُهُ عَلَى طَرِيقِ سَيْرِهِ إلَى اللّهِ تَعَالَى مُتَوَقّفًا عَلَى جَمْعِيّتِهِ عَلَى اللّهِ وَلَمّ شَعَثِهِ بِإِقْبَالِهِ بِالْكُلّيّةِ عَلَى اللّهِ تَعَالَى، فَإِنّ شَعَثَ الْقَلْبِ لَا يَلُمّهُ إلّا الْإِقْبَالُ عَلَى اللّهِ تَعَالَى، وَكَانَ فُضُولُ الطّعَامِ وَالشّرَابِ وَفُضُولُ مُخَالَطَةِ الْأَنَامِ وَفُضُولُ الْكَلَامِ وَفُضُولُ الْمَنَامِ مِمّا يَزِيدُهُ شَعَثًا، وَيُشَتّتُهُ فِي كُلّ وَادٍ وَيَقْطَعُهُ عَنْ سَيْرِهِ إلَى اللّهِ تَعَالَى، أَوْ يُضْعِفُهُ أَوْ يَعُوقُهُ وَيُوقِفُهُ اقْتَضَتْ رَحْمَةُ الْعَزِيزِ الرّحِيمِ بِعِبَادِهِ أَنْ شَرَعَ لَهُمْ مِنْ الصّوْمِ مَا يُذْهِبُ فُضُولَ الطّعَامِ وَالشّرَابِ، وَيَسْتَفْرِغُ مِنْ الْقَلْبِ أَخْلَاطَ الشّهَوَاتِ الْمعوقةِ لَهُ عَنْ سَيْرِهِ إلَى اللّهِ تَعَالَى، وَشَرْعِهِ بِقَدْرِ الْمَصْلَحَةِ بِحَيْثُ يَنْتَفِعُ بَهْ الْعَبْدُ فِي دُنْيَاهُ وَأُخْرَاهُ وَلَا يَضُرّهُ وَلَا يَقْطَعُهُ عَنْ مَصَالِحِهِ الْعَاجِلَةِ وَالْآجِلَةِ، وَشَرَعَ لَهُمْ الِاعْتِكَافَ الّذِي مَقْصُودُهُ وَرُوحُهُ عُكُوفُ الْقَلْبِ عَلَى اللّهِ تَعَالَى، وَجَمْعِيّتُهُ عَلَيْهِ وَالْخَلْوَةُ بِهِ وَالِانْقِطَاعُ عَنْ الِاشْتِغَالِ بِالْخَلْقِ وَالِاشْتِغَالُ بِهِ وَحْدَهُ سُبْحَانَهُ؛ بِحَيْثُ يَصِيرُ ذِكْرُهُ وَحُبّهُ وَالْإِقْبَالُ بَدَلَهَا، وَيَصِيرُ الْهَمّ كُلّهُ بِهِ، وَالْخَطَرَاتُ كُلّهَا بِذِكْرِهِ، وَالتّفَكّرِ فِي تَحْصِيلِ مَرَاضِيهِ وَمَا يُقَرّبُ مِنْهُ؛ فَيَصِيرُ أُنْسُهُ بِاَللّهِ بَدَلًا عَنْ أُنْسِهِ بِالْخَلْقِ فَيَعُدّهُ بِذَلِكَ لِأُنْسِهِ بِهِ يَوْمَ الْوَحْشَةِ فِي الْقُبُورِ حِينَ لَا أَنِيسَ لَهُ وَلَا مَا يَفْرَحُ بِهِ سِوَاهُ فَهَذَا مَقْصُودُ الِاعْتِكَافِ الْأَعْظَمِ. [زاد المعاد لابن القيم (2/86- 87)].

والمتأمل في النصوص الشرعية الواردة في الصيام، التي تتحدث عن حِكَم الصيام وغاياته في الشريعة وفي واقعنا معاشر المسلمين يجد بونًا كبيرًا لدى أكثر عامة الأمة وكثير من الشباب بين الواقع والواجب.

فعلى الرغم من أهمية هذا الدور التربوي المهم لشهر رمضان، إلا أن هناك ما يُضعف تأثير الصيام والأعمال الطيبة عند كثير من الناس، فلا يستفيدون من رمضان، فيخرجون منه كما دخلوا فيه، وفي أحيان كثيرة تكون المعاصي مؤجلة فقط لما بعد الشهر، فلم يتركوها ويبغضوها ويتوبوا إلى الله منها، بل هي فقط مؤجلة لما بعد رمضان، والسبب الرئيس في هذا هو إلف العادة!!

 

إلف العادة من أكبر موانع التغيير

من أعظم الآفات في أداء العبادات المهمة أن تتحول إلى عادات، فعندما يعتاد المرء على العبادات، وتصبح جزءًا من برنامجه اليومي كالصلاة، والأسبوعي كالجمعة، والسنوي كرمضان والحج تتحول هذه العبادات إلى مجرد أفعال وأقوال متكررة لا تُضيف جديدًا إلى حياة الفرد.

وإن من يدقق النظر في ركن الدين الأعظم بعد توحيد الله تعالى وهي الصلاة، التي وصفها الله سبحانه بأنها تنهى عن الفحشاء والمنكر فقال سبحانه: {اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ الْكِتَابِ وَأَقِمْ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ} [العنكبوت:45]، يجد أنها تحولت إلى عادة من العادات عند الكثير منا، فأصبحت لا تنهى عن الفحشاء ولا المنكر!! بل صارت أشبه بجهاز تسجيل، يكبر المسلم ليدخل صلاته، فيكرر لسانه المحفوظات التي اعتادها بلا تفكير منه فيما يقرأ ولا تدبر لأذكارها، ويخرج منها كما دخل، فلا خشوع ولا خضوع ولا قرب، إلا من رحم الله تعالى.

وكذا في صيام رمضان، فالملاحظ أننا في كل سنة نستقبل شهر رمضان ثم نودعه، نسمع قبله بقليل عن فضل هذا الشهر وأهميته ومكانته، وما يجب علينا من اغتنامه، حتى حفظ الناس أحاديثه وآياته، فلم يتدبروها ويفكروا فيها، ثم بعد رحيله نسمع كذلك بعض المواعظ في وداعه والحزن على فراقه، حتى أصبح ذلك الأمر عادة تعودناها وقضية ألفناها؛ عبر أحداث تتكرر علينا في السنة وفي الشهر وفي الأسبوع وفي اليوم.

 ولئن كان الاعتياد على كثير من شئون حياتنا الدنيوية مقبولاً، فإن من غير المقبول أن ينسحب ذلك على عباداتنا التي نتقرب بها إلى الله سبحانه؛ لذلك ينبغي لنا أن نتذكر جيدًا أن من آفات العبادات الخطيرة العظيمة أن تتحول العبادة إلى عادة، يؤديها الواحد منا دون أن تترك أثرًا في نفسه أو سلوكه.

ومن المؤسف أن بعض الناس يستقبلون الشهر الكريم بفتور وعدم اهتمام، وقد أخطأ –بلا شك- من لا يفرّق بين رمضان وغير رمضان، وأساء من جعل يوم صومه كيوم فطره.

وهناك من يعرف للشهر فضله ومكانته، ولكنه لا يستقبله بتوبة نصوح، وعزم أكيد على الاستقامة وحسن الاستفادة من أيامه ولياليه، بل يستقبله بفتور وعدم جدية وقلة نشاط.

 

مما يعينك على التغيير في حياتك:

يجب على المسلم أن يستوعب حقيقة وجوده في الحياة، وأنه ما خُلق إلا لعبادة الله جل وعلا، ويعرف أهمية الوقت بالنسبة إليه، وأن عمره هو رأس ماله الحقيقي؛ ليكون ذلك دافعًا له للجدية في حياته، واغتنام مواسم البر، والموازنة بين ما يمكن أن يقوم به من أفعال، وعليه أن يقوم بترويض نفسه على القيام بالأعمال الصالحة، كالتبكير للصلاة، والجلوس بعد الفجر في المسجد إلى طلوع الفجر.. ونحوها، ليتعود على ممارستها والاستمرار عليها بعد رمضان.

ومما يعينك على التغيير للأفضل أن تتخذ الرسول صلى الله عليه وسلم قدوة حسنة، وأن تتأسى به في سائر شئون الحياة عمومًا، وفي شهر الصيام خصوصًا، وهذا يتطلب أن تتعلم فقه الصيام وآدابه، واستيعاب حِكَم الصيام وغايات في تهذيب النفوس، ونشر الخير والفضيلة، ومحاربة الشر والرذيلة، بشكل أفضل.

 

عبرة تربوية في قدوم رمضان ورحيله

قبل عام ودعنا شهر رمضان، ثم ها هو يقبل الآن، وربما لم يشعر كثير منا بقيمة الزمن الذي طُويت فيه الأيام والشهور، وأننا مسافرون إلى الله، ولكل عبد نهاية ولا بد، قال الله تعالى: {وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى} [النجم: 42]. وقد ذكر ابن أبي حاتم عن عمرو بن ميمون الأودي أنه قال: قام فينا معاذ بن جبل رضي الله عنه فقال: «يا بني أوْد، إني رسولُ رسولِ الله إليكم، تعلمون أن المعاد إلى الله، إلى الجنة أو إلى النار». [تفسير ابن كثير (4/335)].

وإن مما يجب على العبد المسلم أن يبحث عن الزاد الذي يقرّبه إلى الله تعالى؛ حيث إن الطريق موحش وطويل، ولا بد فيه من زاد، وقد جعل الله تعالى شهر رمضان لتطهير القلوب من الخطايا والعيوب وغفران الذنوب.

 فهل استقبلنا رمضان بتوبة تغسل عنا الذنوب؟! ومن ثَم يُزال الران من على القلوب؛ فنحسن اغتنام أيام رمضان، لنخرج منه وقد غفر الله لنا؟! وما أدراك فقد يكون رمضان الأخير في حياتك.. فاغسل ذنوبك قبل مماتك.

نسأل الله أن يغنمنا رمضان، ويرزقنا حُسن صيامه وقيامه،

وأن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال.

التعليقات


`

اتصل بنا

الفرع الرئيسي

السعودية - الرياض

info@daleelalmasjed.com

رؤيتنا : إمام مسجد فاعل ومؤثر

رسالتنا: نقدم برامج تربوية تعيد للمسجد دوره الحقيقي وتسهم في رفع أداء أئمة المساجد حول العالم وتطويرهم ليقوموا بدورهم الريادي في تعليم الناس ودعوتهم على منهج أهل السنة والجماعة وفق خطة منهجية وأساليب مبتكرة.