روح المسجد ورسالته

يمثل المسجد بالنسبة للأمة الإسلامية مكانة خاصة، فهو ضرورة دينية ودنيوية، من أجل ذلك حرص نبينا محمد – صلى الله عليه  وسلم- على تفعيله؛ بحيث يكون منارة للفرد والمجتمع وسياج أمان وأمنًا للأوطان، وعندما قام المسجد بدوره -عن طريق الرجال الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه- ساد المسلمون العالم كله، واعترف العدو قبل الصديق بقيمة وقامة الإسلام والمسلمين، وكان المسلمون بقيادة صاحب الرسالة خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.

وتحققت هذه الريادة وتلك الخيرية عندما كان المسجد يقوم بمهمته الشاملة والكاملة، ومن أكبر الأخطاء التي وقع فيها كثير من المسلمين الآن أنهم تصوروا أن المساجد دور للعبادة فقط، متناسيين أن المسجد هو بيت العبادة والرسالة، وبيت الدين والدنيا معًا، يجمع في مهمته بين متطلبات الدنيا والآخرة، فكان المنطلق قوله تعالى: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ}(القصص:77)، وقوله تعالى:{رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}(البقرة:201).

فالمسجد واحة للعبادة والارتباط الروحي والوجداني، والزاد الإيماني، يسبح فيه الرجال بالغدو والآصال؛ تسبيح اللسان والجنان، تسبيح القلب والجوارح، لا تلهيهم ملذات الدنيا وشهواتها عن ذكر الله وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يومًا تتقلب فيه القلوب والأبصار.

وكانت رسالة المسجد قوية ومؤثرة؛ لأنها تستمد جوهرها من رسالة الإسلام الهادفة في مجملها إلى إصلاح العبد فيما بينه وبين ربه، وإصلاحه فيما بينه وبين نفسه، كما تهدف إلى إصلاح المجتمع وإيجاد علاقات مترابطة ومتلاحمة بين الناس عامة، والمسلمين والمؤمنين خاصة، علاقات تراحم بين المؤمنين وشدة على الكفار: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} (الفتح:29).

وتستمد رسالة المسجد من الإسلام فتهتم بكل شئون الحياة، ففيه يتم التعليم والإرشاد والتثقيف، والتشاور والتناصح، وكان المسجد مكانًا للتقاضي وعقد ألوية الجيش، واستقبال الوفود، ومركزًا مهمًّا للإعلام الإسلامي، فكان- صلى الله عليه وسلم- كلما جدّ أمر يستدعي اطلاع المجتمع عليه، أو أخذ رأيه فيه نُودي أن: الصلاة جامعة، الصلاة جامعة، فيجتمع المسلمون بالمسجد، ويتم الغرض الذي نُودي على الناس بالاجتماع من أجله، وتُذاع الأنباء التي تهم الأمة.

فقد كان المسجد بمثابة الجامعة الحاضنة لجميع العلوم والمعارف، وكذلك نقل هذه العلوم عن طريق الدعاة إلى الله والعلماء بما فيها من نفع إلى العالم كله.

وقد ظل المسجد يقوم برسالته وينمّي هذه الرسالة عن طريق الاتصال الحضاري بين الدول، فيأخذ المسلمون من أصحاب الحضارات ما فيه إفادة ونفع مثل بعض الأنظمة الإدارية لمرافق الدولة من الحضارات الفارسية والرومانية، كما أن المسجد كان يغذّي غيره بفكره الشمولي، فقد كانت الكنائس والمعابد يقتصر دورها على الأمور التعبدية بعيدًا عن أمور وشئون الحياة؛ حيث الرهبانية التي ابتدعوها، ولكن اطلعوا على أعمال المسجد ورسالة المسجد أصبحت دور العبادة عندهم الآن أوسع نطاقًا، وذلك عن طريق الاحتكاك بالحضارة الإسلامية، وعن طريق ما شاهدوه من جهد في مساجد المسلمين الذي يجمع بين العبادة والرسالة.

ودار الزمان وتقلص دور المسجد وانعزل عن حياة الناس.. فكانت النتيجة أن فارقت روح المسجد كل العلوم والمعارف..

فخرج القضاء عن المسجد ففارقته روح المسجد.. وحدث الظلم والبهتان وغاب العدل..

وخرج العلم والتعليم عن المسجد ففارقته روح المسجد.. روح الإخلاص في طلبه وتبليغه، روح (إنما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ)، وروح (ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعًا).

وخرج التشاور والتناصح بين المسلمين عن المسجد، ففارقته روح المسجد.. روح التعاون على البر والتقوى، وروح حب لأخيك كما تحب لنفسك..

وخرج إعداد الجيوش عن المسجد ففارقته روح المسجد.. روح المجاهدة والجهاد من أجل إعلاء كلمة لا إله إلا الله، لا إعلاء لحزبية وجماعة وتراب.

وهكذا كل عمل خرج عن المسجد فارقته روح المسجد، وإذا فارقت روح المسجد عملاً من الأعمال فماذا بقي لهذا العمل من أسباب ونجاح؟!

إن روح المسجد في كلمات هي: الاقتداء برسول الله - صلى الله عليه وسلم- في كل أمر من الأمور صغيرها وكبيرها، وهي الالتزام بكل ما جاء به الرسول -صلى الله عليه وسلم-، والانتهاء عن كل ما نهى عنه.. وإذا غابت روح المسجد من حياتنا- وهذا ما سعى إليه الأعداء، وقد نجحوا إلى حد كبير- أصبح الإسلام مجرد شعائر وصور وشكليات وقشور بعيدة كل البعد عن حقيقة الرسالة وجوهرها.[1]

إن انطلاق كل الأعمال من روح المسجد لا يعني الاستغناء عن المؤسسات العلمية والجامعية والخدمية الأخرى، ولكن المقصود التحرك بروح المسجد في كل هذه المؤسسات، واستشعار روح المراقبة والإحسان والعبادة بمفهومها الواسع والمتكامل، فكل فرد في مؤسسات الدولة وهو يمارس عمله لا بد أن يستشعر أنه كان منذ قليل أمام الله يطلب منه العون والهداية: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) (الفاتحة:5)، وطلب العون والهداية ليس في أمور دينه فحسب بل في أمور دينه ودنياه، وهذا هو المطلوب.

ولن يؤدي المسجد دوره إلا عن طريق المعمرين أصحاب القلوب المؤمنة والجوارح الطائعة: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ } (التوبة:18)، وهذا يحتّم علينا ويلزمنا جميعا أفرادًا وشعوبًا أن نعد المعمرين لبيت الله، وكذلك نأخذ بيد الشاردين لينضموا إلى قوافل المعمرين، وهذا الإعداد يشمل الإعداد العقائدي والتعبدي والأخلاقي والسلوكي، ليترجم المعمرون ذلك كله في حياتهم فيصنعوا حاضرًا ومستقبلاً مشرقًا للأمة الإسلامية.

كما أنه يتطلب ضرورة الاهتمام بإحياء رسالة المسجد، والعناية بالخطابة والوعظ والإرشاد، وتأهيل القائمين عليها تأهيلاً يستجيب لمقتضيات العصر دون الخروج عن الثوابت، والرد على الشبهات، والحفاظ على مقاصد الشريعة الغراء.[2]

كما أن إحياء رسالة المسجد يتطلب تضافر الجهود شعبًا ووطنًا.

وللحديث تكملة وتفصيل.

 

 


[1] ) المسجد وأثره في المجتمع الإنساني ص 169 -170 بتصرف  كبير وزيادات.                                                 

[2] ) مجلة مجمع الفقه الإسلامي (العدد الحادي عشر ج 3، ص 259 ).

 

 

التعليقات


`

اتصل بنا

الفرع الرئيسي

السعودية - الرياض

info@daleelalmasjed.com

رؤيتنا : إمام مسجد فاعل ومؤثر

رسالتنا: نقدم برامج تربوية تعيد للمسجد دوره الحقيقي وتسهم في رفع أداء أئمة المساجد حول العالم وتطويرهم ليقوموا بدورهم الريادي في تعليم الناس ودعوتهم على منهج أهل السنة والجماعة وفق خطة منهجية وأساليب مبتكرة.