وسواس المرض يقتلني

السؤال:

تُوفيت والدتي - رحمها الله- بمرض السرطان، وقد كنت قريبة منها، ورأيت تألمها الشديد، وكيف تبدلت حياتنا بمرضها ووفاتها، ورغم مرور سنوات على هذا الأمر، تزوجت فيها وأنجبت طفلين، إلا أنني أعاني في الآونة الأخيرة من قلق شديد، والسبب أن خالتي أصيبت بسرطان الثدي، وبفضل الله كان الاكتشاف مبكرًا، وشُفيت بعد الجراحة والعلاج، ولكنني سمعت من الأطباء أثناء إصابة خالتي أن هذا الوراثة تلعب دورًا كبيرًا في الإصابة بهذا المرض.

الوسواس يسيطر عليَّ بأنني سأصاب به مثل أمي وخالتي، وأمضي وقتًا طويلاً في البحث على الإنترنت حتى أجد كلمة تطمئنني، فلا أجد إلا ما يزيد قلقي وخوفي..

لم يعد للحياة طعمًا إلا المرارة، لم أعد قادرة على الاستمتاع بأي شيء، فالخوف يسيطر على تفكيري، بدأ زوجي يمل من طريقتي، وتدهور حال طفليّ، وأصبحت الكآبة عنوانًا لحياتنا.. ماذا أفعل حتى أعود لحياتي بشكل طبيعي؟

الإجابة:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد...

الأخت الكريمة مرحبًا بك في "موقع دليل المسجد"، والله أسأل أن يعافيكِ من كل سوء، وأن يصرف عنك السوء كله، ويحييكِ حياة طيبة، وأن ينزل السكينة والسلام على قلبك وجسدك وحياتك.

في البداية أحب أن أؤكد لكِ على أن ما تمرين به هو حالة عابرة، وأن هذا القلق الشديد الذي يسيطر عليكِ الآن سيزول قريبًا إن شاء الله، وسيصبح مجرد ذكرى بعد أن تستأنفي حياتك بشكل طبيعي.. وأؤكد لكِ أيضًا على أنه ما من إنسان على هذه الأرض إلا وأُصيب في وقت أو أكثر من حياته بخوف شديد وقلق ينغّص حياته، لأسباب مختلفة ومتفاوتة.

وإليكِ بعض الخطوات لتجاوز هذه العقبة الطارئة في حياتك، آمل أن تساعدك:

1ـ هناك حقيقة كبرى في هذه الحياة، يجب عليك أن تتذكريها صباحا ومساء، وأن تكتبيها في لوحة كبيرة لتطالعيها على الدوام، وهي أن الأعمار بيد الله، وأن كل نفس ذائقة الموت، وقد يموت الشاب القوي الجسد بدون علة ولا سبب، وقد يُعمّر الشيخ المبتلى بعشرات الأمراض..

تأملي في مقولة خالد بن الوليد –رضي الله عنه- حيث قال وهو على فراش الموت: "لقد شهدتُ مائة زحف أو زُهاءَها، وما في جسدي موضع شبر إلا وفيه ضربةٌ أو طعنة أو رَمْية، ثم هاأنذا أموت على فراشي كما يموت العَيْر، فلا نامت أعين الجبناء، وما من عمل أرجى من " لا إله إلا الله " وأنا متترس بها".( أسد الغابة 1/313).

فامضي في حياتك، مغتنمة دقائقها وثوانيها، فقد رُفعت الأقلام وجفت الصحف.. قال تعالى: {إِذَا جَاء أَجَلُهُمْ فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ} [يونس: 49].

وقال صلى الله عليه وسلم: (إنه لن تموت نفس حتى تستوفي أجلها ورزقها، فاتقوا الله، وأجملوا في الطلب) [رواه أبو نعيم في الحلية وصححه الألباني].

واعلمي أن الإنسان وهو يمر بمشكلة تعظم في عينه جدًّا، وكلما سيطر عليه التفكير فيها، كلما أخذت حجمًا أكبر من حجمها، فيغيب عنه المنطق تمامًا في التعامل معها.. لذا فإن الخطوة العاجلة التي تحتاجين إليها الآن هو أن تبعدي عنك التفكير فيما يقلقك.. كلما ابتعدتِ خطوة كلما عادت إلى حجمها الطبيعي وفقدت الحجم الكاذب الذي يضفيه إليها الوسواس.

2ـ إبعاد عقلك عن الفكرة المقلقة يتطلب أن تفكري في أمور أخرى، أن تقومي بأعمال جديدة.. أن تشغلي وقتك، أن تحيطي نفسك بالصحبة الصالحة.. أنتِ في حاجة ماسة الآن للقيام بأعمال جديدة، للتفاعل مع الناس، للانشغال بالخارج بدلاً من الانشغال بنفسك..

3ـ استمسكي بكتاب الله تعالى، اقرئي سورة البقرة؛ فإنها تطرد الشياطين، اقرئي مهما غالبتك نفسك، واتليه بالساعات، فبه سيطمئن قلبك، حتى وإن شعرت أنك لا تدركين الكلمات، وإن غالبتك دموعك، استمري في قراءته.

4ـ أكثري من ذكر الله كل يوم..فإن الذكر يطمئن القلب، ويشرح الصدر، والهجي بدعاء الكرب "لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين"، وأكثري من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله.

5ـ توقفي تمامًا عن البحث على الإنترنت أو الحديث مع أحد حول المرض، فكثرة  الحديث عنه، لن يزيدك إلا خوفًا وقلقًا، فالتفكير في المرض يستجلب المرض، فلا تتوقعي البلاء ولا تنتظريه، وأحسني الظن بالله، فإن ظننتِ خيرًا بالله صَبَّ عليك الخير، وإن ظننتِ الشر فسوف يأتيك، فعن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الله جل وعلا يقول: أنا عند ظن عبدي بي، إن ظن خيرًا فله، وإن ظن شرًّا فله) (قال شعيب الأرناءوط : إسناده صحيح على شرط مسلم).

6ـ الملايين من أبناء وأقارب مصابي السرطان لم يُصابوا به، ولكنك لن تستشعري هذا إلا عندما تخرجين من القلق، فالقلق يعطل التفكير المنطقي، عليكِ أن تخرجي منه أولاً حتى تدركي أن ما يقلقك هو أمر وهمي، وأن كل إنسان على هذه الأرض معرض للمرض وللحوادث وللعشرات من أسباب الموت والألم، ولكن هذا لا يعني أن نتوقف عن الحياة انتظارًا لسوء قد يصيبنا وقد لا يصيبنا.. وإذا كان الإنسان يموت مرة واحدة فإنه يموت ألف مرة عندما يعيش خائفًا.

7ـ انشغلي بطفليكِ، وراعي زوجك، فإهمالهم سيفتح عليك أزمات حقيقية.. وقولي لنفسك: إذا كان مقدرًا لي أن أمرض فلماذا لا أغتنم كل لحظة في العافية، وأنا سعيدة، وأُسعد من حولي، وأترك لهم ذكرى طيبة وقوة في قلوبهم يواجهون بها الأحزان.. فكل دقيقة سعادة تمنحيها لأولادك هي قوة لهم على مواجهة أي أزمة مستقبلية، يقول الحسن البصري: الدنيا ثلاثة أيام: أما أمس فقد مضى بما فيه، وأما الغد فلعلك لا تدركه، فاليوم لك فاعمل فيه.. فيومك يومك.

8ـ تعبدي إلى الله تعالى باسمه الشافي، والدعاء يرد القضاء، وهو سبحانه القيوم على جسمك وخلاياه وحركته، وهو السلام الذي سينزل على جسدك سلامًا يمنع عنه كل سوء، وعلى عقلك سلامًا يحفظه من القلق والاضطراب، ارقي نفسك كثيرًا، واجعلي من محنتك طريقًا موصلاً إلى حب ربك والتوكل عليه بكثرة الدعاء والمناجاة.

9ـ لا ضمانة في هذه الحياة إلا أن يتوكل الإنسان على ربه، ويثق بحكمته وتقديره، ويوطن نفسه على أن يجعل حياته باسمة هانئة نافعة له وللآخرين في كل حال.

 

10ـ في كل يوم علاج جديد، وفي كل يوم رحمة تتنزل، تقدم طبي يوفق الله خلقه له، ولكن الشيطان يعدنا الفقر فلا نرى إلا احتمالات السوء الصغيرة، دون أن نبصر آفاق الشفاء والعافية.

التعليقات


`

اتصل بنا

الفرع الرئيسي

السعودية - الرياض

info@daleelalmasjed.com

رؤيتنا : إمام مسجد فاعل ومؤثر

رسالتنا: نقدم برامج تربوية تعيد للمسجد دوره الحقيقي وتسهم في رفع أداء أئمة المساجد حول العالم وتطويرهم ليقوموا بدورهم الريادي في تعليم الناس ودعوتهم على منهج أهل السنة والجماعة وفق خطة منهجية وأساليب مبتكرة.